الإثنين , ديسمبر 10 2018
الرئيسية / المقالات / «ما خفي أعظم».. هل تحتاج قطر لمن يتآمر عليها؟

«ما خفي أعظم».. هل تحتاج قطر لمن يتآمر عليها؟

أجهدت قناة الجزيرة- الذراع الإعلامي لدويلة قطر- نفسها، وتكبدت مبلغًا محترمًا من أموال الشعب القطري؛ لإنتاج فيلم وثائقي، ومنحته- كعادتها في الإثارة- اسمًا تشويقيًا «ما خفي أعظم»، في محاولة بئيسة لإثبات وجود مؤامرة كونية، أو على الأقل إماراتية لتدبير انقلاب على نظام الحكم في الإمارة الخليجية الصغيرة..!

ولأن الطبيب نصحني بالابتعاد عن التوتر والانفعال، وعن كل ما يتسبب في هياج القولون، فقد حاولت جاهدًا ضبط النفس وأنا أشاهد «وثائقي الجزيرة»، وما أن انتهيت من بعض المشاهد المتقطعة، وجدتُ أسئلة تنمو وتتكاثر في ذهني: هل من الممكن أن تتآمر الإمارات على قطر؟ هل يتصور عاقل أن يُتهم الشيخ زايد بن سلطان، رحمه الله، بمثل هذه الاتهامات وهو «زايد الخير»، «زايد العطاء»، «زايد المحبة»؟

وهل يمكن الوثوق بشهادات شهود العيان الذين جاؤوا في الفيلم؟ ثم وهو السؤال الأهم: هل قطر بحاجة إلى مَنْ يتآمر عليها من الخارج؟

ما يعلمه الجميع، ويسجله التاريخ الأسود للدوحة، أنه لا يكاد يمر عقد من الزمان إلا وتشهد هذه الإمارة انقلابًا أو اثنين، لدرجة أنك إذا ما ذكرت مصطلح «إمارة الانقلابات» أمام أي شخص، وسألته عن الدولة المقصودة به، فإنه سيعطيك الإجابة دونما تفكير: «إمارة قطر»!

علمتني التجربة أن لا أثق في «الجزيرة»، ولا في أي مادة فيلمية تقدمها عبر شاشتها البراقة التي هي أشبه بالضوء الذي يقتل الفراشات التي تحوم في نطاقة.

الجزيرة لها باع طويل في الكذب والتزوير وفبركة التقارير، ولي عنق الحقائق.. وكانت تفعل ذلك بمهارة منقطعة النظير، ووجدت مَنْ يصفق لها، وينخدع بزيفها وبريقها في سنوات مهدها الأولى التي رسخت قدمها في عقول كثيرين من المشاهدين العرب.. لكنها- في الفترة الأخيرة- انكشف زيفها، وافتضح كذبها وضلالها وتضليلها المتعمد، وبث سمومها في عقول البقية الباقية من الجماهير المغيبة، أو بعض الذين يريدون تصديق أكاذيبها ممن هم على شاكلتها.

وكما أن لـ«الجزيرة» تاريخًا قذرًا من الأكاذيب، فإن لتنظيم الحمدين الممول لهذه القناة، تاريخًا أسود في تشويه خصومه، فهو يطلق كلابه الإعلامية لتنهش في أعراض مَنْ يختلف معهم، كما حدث في خصومته مع الدول العربية الأربع الداعية إلى مكافحة الإرهاب «السعودية والإمارات والبحرين ومصر».

وعندما فشلت في تنفيذ غرضها الدنيء، لجأت إلى إنتاج فيلم وثائقي بعنوان «ما خفي أعظم»، وادعت فيه أن بعض المسؤولين في دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة، حاولوا تدبير انقلاب في قطر..!

أرجوك.. تماسك نفسك.. أنت لم تقرأ خطأ.. وهذه ليست نكتة.. فتنظيم الحمدين الذي يأكل ويشرب ويتنفس انقلابًا، وأبناء الحمدين الذين لا ينامون خوفًا من انقلاب أحدهم على الآخر، هم الذين يتهمون الآخرين بتدبير انقلاب على نظام الحكم قريتهم، أقصد إمارتهم الصغيرة..!

قطعًا العقل والمنطق يفرضان علينا تصديق هذه الادعاءات القطرية، من منطلق «لا أحد يصدق كذابًا»، أو بالإنجليزية «no body believes a liar».. لكن، وحتى يقنع الذي في قلبه مرض، فإننا سنفند بعض الادعاءات التي وردت في فيلم «ما خفي أعظم»؛ لنؤكد أن الجزيرة وتنظيم الحمدين أرادوا أن يذموا فمدحوا، وأن يفضحوا فافتضحوا..

أنت مثلًا، هل تكذب التاريخ والحوادث والوقائع التي شاهدتها بأم عينيك وتصدق وثائقي الجزيرة المكذوب للنيل من الإمارات، التي يشهد التاريخ المضيء بمواقفها ومواقف حكامها ودعمهم للبلدان والقضايا والشعوب العربية؟

هل تكذب التاريخ والوقائع الثابتة وتصدق مقابلات، وشهادات لشخصيات «مغمورة» نُسِبَتْ إليها أدوارٌ معينة؟ ثم كيف لنا أن نصدق هؤلاء، وهم تحت سيطرة قطر؟

وهل كان التسجيل مع السفير الأمريكي السابق في قطر، باتريك باتروس، الذي ظهر كشاهد عيان في الفيلم الوثائقي، مجرد مصادفة، أم كان مدروسًا بعناية، خاصة وأنه هو نفسه يترأس- حاليًا- مجلس الأعمال القطري الأمريكي؟

وهل تكذب التاريخ والوقائع الراسخة التي تؤكد أن «خليفة بن حمد» انقلب على ابن عمه الشيخ أحمد بن علي آل ثاني، وأن «حمد بن خليفة» انقلب على أبيه، وأن «تميم بن حمد» انقلب على أبيه، واستلم الحكم بطريقة «ناعمة»؟

لقد أذاع «ثائقي الجزيرة» فيديو لخطاب حمد بن خليفة وهو يتسلم الحكم.. وعلى الرغم من أنه يتضمن اعترافًا كاملًا من حمد بالانقلاب على والده إلا أنه لم يقدم لنا مبررات هذا الانقلاب، ولماذا لاحق والده في المحاكم الدولية؛ لأنه لم يعترف بانقلاب حمد عليه والاستيلاء على الحكم منه؟

كما لا يخفى على أي شخص لديه خبرة بسيطة بخيوط الكمبيوتر وتطورها، أن يكتشف أن الوثائق المزعومة التي عُرِضتْ في فيلم «ما خفي أعظم» أنها لا تمت إلى حقبة منتصف تسعينات القرن الماضي، وقت انقلاب حمد على والده خليفة، بل مكتوبة بخط حديث لم يكن له وجود في التسعينات.. ولو كانت هذه الوثائق صحيحة، فلماذا لم تنشرها قطر في وسائلها الإعلامية الإليكترونية والمطبوعة؟

أخيرًا، إذا كانت الإمارات هي التي دبرت الانقلاب المزعوم للأب خليفة على ابنه حمد، فلماذا أصدر حمد أحكامًا بالإعدام على عشرات القطريين، ولماذا أعفى عشرات العسكريين من مناصبهم، ولماذا أصدر أحكاما بالسجن والاعتقال لكبار الضباط في الشرطة والحرس الأميري، ولماذا نكل بآلاف القطريين وجردهم من جنسيتهم وطردهم من قطر، لمجرد أنهم أعلنوا تعاطفهم مع الأمير الوالد، ورفضوا اغتصاب الابن للسلطة؟

عن ايمن عبدالتواب

شاهد أيضاً

هل تصلح المرأة للقيادة؟!

محمد النغيمش ما زلت أتذكر ما شهد البيت الأبيض من امتعاض ملحوظ من كبار النساء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *